المدرسة مؤسسة التعليم العالي في العصر المملوكي
يعتبر عام 566هـ / 1171م تاريخ افتتاح أول مدرسة في القاهرة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب.
المدرسة اهتمت بتعليم الفقه اما العلوم الدينية الأخرى فاعتبرت علوماً مساعدة وإضافية لعلم الفقه كما هي علوم اللغة وعلم التاريخ والمذاهب السنية الأربعة.
مراسيم افتتاح المدرسة
وعند افتتاح المدرسة جرت العادة ان تفتتح باحتفال يتفاوت في أهميته بتفاوت قدر صاحبها وغالبا ما كان يشارك السلطان وكبار الامراء ورجال الدين في افتتاحها حيث تمد الاسمطة والولائم والشراب ، ويقوم السلطان بتعيين العلماء والمدرسين والمعيدين الذين سيتولون التدريس في المدرسة ويحدد رواتبهم والأعطيات والتقديمات اليومية التي سيحصلون عليها من خبز ولحم وصابون وقلل ماء وحلوى وغير ذلك من مردود الوقف الذي سيوقفة السلطان لصالح هذه المدرسة ، ويعلن عنه في الحفل نفسه ، كما يعين السلطان أو صاحب المدرسة القراء والمؤذنين وإمام المسجد الملحق بالمدرسة ويحدد رواتبهم والتقديمات التي سيحصلون عليها يومياً ، دون أن ينسى تعيين ناظر الوقف الذي يقوم بدوره بتعيين الفراشين والحجاب والطواشية وصغار الموظفين ويحدد رواتبهم ، كل ذلك يعلن عنه في مرسوم الوقف الصادر عن ديوان الإنشاء والذي يحدد النظام والمنهج التربوي اللذين ستعتمدهما المدرسة تبعاً لرأي منشئها يمهره السلطان بختمه ويقرأ في الحفل وعلى منابر المساجد.
طريقة التدريس في المدارس
كان المدرس حراً في تحديد منهج التدريس الذي يتبعه ، كما كان حراً في انتقاء طريقة التعليم التي تناسب مادته ومستوى طلابه بشكل عام ، ولقد تنوعت طرائق التعليم بتنوع المدرسين والمشايخ ، كما تنوعت وسائلهم ومناهجهم ، وطريقة التعليم كانت إما تلقيناً أو عرضاُ ، أي انها تعتمد على الحفظ عن طريق التكرار لجميع العلوم وفيها يطلب الشيخ من الطالب ان يعيد درسه ويكرر الإعادة حتى يحفظ ما هو مطلوب منه ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطلبة يتفاوتون في سرعة الحفظ ، لذلك اعتمد بعض المشايخ مع طلابهم طريقة القراءة الجماعية بصوت واحد جهراً كطريقة أساسية لجعلهم يحفظون ما يريدون ان يحفظوه بسرعة مع فهم ما جاء فيها ، وحرص الطلاب على حفظ الكتب القيمة والمؤلفات الهامــة او مختصراتـها وكان التباهي بين الطلاب بذكر ان فلان يحفظ كتاب كذا وكذا وكذا ، ومن اهم الكتب التي حازت على اهتمام الطلاب فحفظوها كتاب ألفية بن مالك وصحيحي البخاري ومسلم والمنهاج الأصلي للنووي ...الخ وغيرها من أمهات الكتب.
الإجازة
ولم يعرف نظام التعليم في العصر المملوكي مفهوم الامتحان الفصلي او السنوي او المرحلي فكانت المراحل التعليمية متداخلة فيما بينها لا يخضع الطالب في نهاية أي منها لامتحان تحصيلي أو غيره ، بل كان هناك ما يشبه الشهادات الدراسية تعطى في نهاية مرحلة التعليم العالي وهي عبارة عن إجازة شخصية يمنحها الشيخ أو المدرس لأحد طلابه يفيد فيها أن الطالب الفلاني قد قرأ عليه كتاب كذا رواية ودراية او انه استملى منه الكتاب وانه يأذن له بتدريسه ، وعادة ما كانت الاجازة تكتب على الغلاف الداخلي للكتاب الذي استملاه أو عرضه الطالب ، وقد تصدر عن مدرس صدر واحد فقط فترتبط باسمه ويوقع عليها ، أو قد تصدر عن عدة مدرسين يأذنون فيها للطالب بأن يفتي ويقرئ على ان تكتب هذه الاجازة بخط أحدهم ويوقع بالاذن عليها الباقون ، وقد تكون الإجازة محصورة بإقراء وتدريس كتاب واحد وقد تكون شاملة متنوعة يأذن فيها الشيخ لطالبه بإقراء جميع كتبة وتأليفه وما صدر عنه وتدريسها.
واذا ما حصل الطالب على إجازة لا يعني أنه قد أنهى مرحلة التعليم العالي التي كانت تمتد على ثلاث أو أربع سنوات متتالية وتنتهي بامتحان الإجازة ، فإذا ما نجح الطالب واستطاع لفت نظر أستاذة قد يختاره ليصبح معيداً عنده فيخضعه لفترة تمرين ومراقبة أو صحبة غير محددة قد تمتد عشرين سنة قبل أن يصبح بدورة مدرساً ، وفي فترة الصحبة يتمكن الطالب من المادة التي يتخصص فيها ويتعرف على طرق المناظرة فيها وتتكون لديه أجوبة على كل الأسئلة التي تتعلق فيها والتي يمكن أن تطرح عليه ، وهذا التدرج قد يتم عند مدرس واحد أو عدة مدرسين ، أما إذا كان الشيخ غير راض عن أداء الطالب فلا يجيزة ، هذا فيما يتعلق بالعلوم الشرعية والفقهية ، اما فيما يتعلق بعلم الحديث فكان طلبته ينتقلون من بلد إلى أخر سعياً وراء الحديث الصحيح وجمعه من المحدثين الثقاة.
أما فيما يتعلق بالعلوم العقلية كان الطالب يخضع لامتحان تقييمي شفهي وعملي على يد مدرسه أو كبير المدرسين ويحصل بنتيجته على شهادة تعلن أن الطالب قد أصبح قادراُ على مزاولة التخصص الذي تخصص فيه.
وكانت الدراسة مقسمة من بعد طلوع الشمس حتى زوالها ، أما فيما يتعلق بالعطل المدرسية والأعياد فقد وجد المسلمون أن الأولاد إذا استراحوا من الدرس يومين في الأسبوع نشطوا في الأيام الأخرى ، لذلك كانت الكتاتيب تعطل يومين في الأسبوع من ضمنها يوم الجمعة إضافة إلى يومين أو ثلاثة في الأعياد ، أما العطلة السنوية الأساسية لجميع المراحل فكانت تمتد من شهر رجب وحتى العاشر من ذي الحجة.
الباحث التاريحي / عماد أبو العلا
بقلم: [هشام اسماعيل]
خريج فنون جميلة الزمالك، مصمم ومخرج ومؤلف كتاب "تغريدات ملهمة" و"أين المطب". متخصص في فنون الكتاب والرسوم المتحركة.
اقرأ المزيد عني..
تعليقات
إرسال تعليق