إزاي الملك الحكيم خرج من السجن لكرسي الرئاسة؟
الحكاية مش مجرد قصة رئيس دولة، دي حكاية راجل قضا عمره كله يدافع عن فكرة، ويدفع الثمن من حريته وصحته عشان شعوره بالمسؤولية.
كان دايماً يقول إننا بنحارب عشان العدل، ومينفعش نرد على الظلم بظلم زيه. كان يمنع جنوده من الاعتداء على الكنائس أو المدنيين، وعلمنا إن “نظافة الغاية من نظافة الوسيلة”.
علم العالم أن السياسة مش عناد بل محتاجة إلى “المرونة” : لما وافق على اتفاقية السلام، وافق من أجل إنفاذ شعبه وكان غير راضي تماماً، بس كان يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه وكان هذا أفضل من الفناء الكامل.
كما أثبت أن المثقف الحقيقي مش بتاع برج عاجي: هو أثبت إن الراجل بتاع الكتب والفلسفة ممكن ينزل على الأرض، ويشيل السلاح، ويدير دولة في وقت الحرب. الثقافة الحقيقية هي اللي تتحول لموقف وقت الأزمة.
هذا الرجل لقى نفسه رئيس لدولة ليس لها جيش نظامي، ومحاصرة من كل حته، والعالم كله واقف يتفرج! في الوقت ده، الراجل ده أدار الأزمة بعقلية خرافية:
*صمد في العاصمة “سراييفو” اللي كانت تحت الحصار والقصف يومياً، ورفض يهرب.
-*بنى جيش من الصفر** يدافع به عن الأرض.
-*لف العالم** عشان يجيب اعتراف ودعم لقضيته.
تعال بقى نقعد قعدة سريعة كده وأحكيلك حكاية “الملك الحكيم” زي ما بيحبوا يسموه.
هو كافح وابهدل في السجون بص يا سيدي البوسنة بعد الحرب بقت جزء من دولة شيوعية كبيرة اسمها “يوغوسلافيا” بقيادة الراجل القوي “تيتو”. الشيوعيين وقتها ما كانوش بيحبوا أي صوت برة صوت الحزب، وبالذات لو صوت بيتكلم عن الدين أو الحرية.
وهنا بدأت رحلة بطلنا مع السجن اللي دخلوا مرتين:
** بس تذكر أولا قبل ما نبدأ الحكاية أن السجن بيحبس الجسم مش الفكرة:
بطلنا قضا سنين في السجن، بس كتبه وأفكاره هي اللي خرجت وقادت الشعب بعد كدة. ليعطي درس أن الأفكار لا تموت بقفل السجن عليها
شوف يا سيدي:
*المرة الأولى كانت سنة (1946):* قعد في السجن 3 سنين بسبب نشاطه في جمعية الشبان المسلمين التي أسسها مع أصحابه وكانت بتساعد اللاجئين وتحاول الحفاظ على هوية المسلمين الثقافية والدينية وكان عمره وقتها 16-17 سنه. خرج من السجن ليكمل مسيره الفكر والصمود درس حقوق واشتغل مستشار قانوني، وفضل يكتب مقالات وكتب تحت أسماء مستعارة.
أما بقى*المرة الثانية كانت سنة (1983م) - ودي كانت القاسمة:* كتب كتاب اسمه “الإعلان الإسلامي”، الحكومة الشيوعية اتجننت واتهمته إنه عايز يقلب نظام الحكم ويعمل دولة متطرفة (وده مكانش حقيقي، هو كان بيناقش إزاي المسلمين يجددوا نفسهم فكرياً). أتحكم عليه بـ «14 سنة سجن»! قضى منهم 5 سنين في ظروف صعبة جداً لحد ما النظام الشيوعي بدأ ينهار وخرج سنة 1988م.
تخيل راجل يقضي أحسن سنين شبابه وعمره وراء القضبان عشان بس بيفكر ويكتب؟ دي لوحدها تبين لك معدن الراجل ده.
أول ما خرج من السجن، الدنيا كانت بتتغير بسرعة والاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا بيقعوا.
فقام بتأسيس “حزب العمل الديمقراطي” سنة 1990م، ودخل أول انتخابات تعددية ونظيفة في البوسنة.
الناس اللي كانت شايفاه بطل وضامنه نظافته انتخبته، وفعلاً «بقى رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك سنة 1990م».
انه الرئيس والمؤلف والفيلسوف على عزت بيجوفيتش
بس يا عيني يا دوب قعد على الكرسي، والبلد دخلت في نفق مظلم بسبب الحرب.
كان ذلك في سنة 1992 البوسنة أعلنت أستقلالها وهنا الصرب بدعم من الجش اليوغسلافي رفضوا وبدأت حرب ابادة ضد مسلمي البوسنة
صمد في العاصمة سراييفو تحت القصف والحصار ورفض الهروب وبنى جيش من الصفر ولف العالم علشان يدعم قضيته ويجيب اعتراف بها
واستطاع أن ينهي الحرب في سنة 1995م باتفاقية «ديرتون» للسلام إلي لم تكن عادلة للبوسنيين بس وافق عليها بمرارة من أجل حقن دماء شعبه اللي كان بيباد وفي عام 2000م استقال لظروف صحية وأوصى أن يدفن في مقبرة «كوفاشي» العامة في سراييفو بين الجنود والشهداء ، وأن يكتب على قبره مجرد اسم وتاريخ، دون أي ألقاب فخمة (مثل الرئيس أو القائد).
وتوفى سنة 2003م وسط حب شعبي جارف
** وأقدم لكم الآن من بعض أقواله وأعماله **
أصدر قراراً رئاسياً يمنع تعليق صوره في المكاتب الحكومية والوزارات، معتبراً أن الأوطان تُبنى بالمؤسسات لا بتقديس الأشخاص
- كتب في مذكراته «قضيت سنوات طويلة في السجون الشيوعية. وفي إحدى فترات سجني القاسية، كانت أرى من نافذة زنزانتي الصغيرة طفلاً يبيع الصحف في البرد الشديد.
فكنت أبكي ليس بسبب السجن أو التعذيب، بل لأني عاجز عن الخروج لشراء كل الصحف من ذلك الطفل ليعود إلى بيته دافئاً.
- في ذروة الحرب وحصار سراييفو الخانق، عندما كان المسلمون يُبادون، علمت أن بعض المقاتلين البوسنيين قاموا برد فعل انتقامي وتجاوزوا الأخلاق الإسلامية ضد مدنيين صرب.
رغم حاجة الجيش لكل جندي في ذلك الوقت الحرِج،أنا أصرّيت على اعتقال ومحاكمة هؤلاء الجنود المسلمين علناً. وقلت لقادة جيشي:
“إنهم يقتلون النساء والأطفال لأنهم بلا أخلاق، فإذا فعلنا مثلهم، فما الفرق بيننا وبينهم؟ ومن أجل ماذا نقاتل إذن؟”
* * «الصلاة لا يمكنها أن تحل محل العمل، بل هي دافع للعمل، وإذا لم تكن كذلك فهي صلاة باطلة».
«إن تقدمنا لا يقاس بكثرة ما نملكه من أشياء، بل بقدر ما نملكه من مبادئ وقيم نبيلة في أوقات المحن».
«ليس السقوط هو الفشل، الفشل هو أن تبقى حيث سقطت، وأن ترضى بالهزيمة النفسية قبل الهزيمة العسكرية».
«التحرر من الخوف هو الخطوة الأولى نحو الحرية، والشعوب التي تخاف من حكامها لا تستحق الحرية، والحكام الذين يخافون من شعوبهم لا يستحقون الحكم».
والآن حوار حصري وخاص تخيلي حول مؤلفاته
بين موقعنا إزاي والقائد العظيم الراحل علي عزت بيجوفيتش
إزاي:
عظيم جدا سعادتكم بالفعل نموذجاً نادراً للقائد الذي لم تغيره السلطة، فكيف ترى نفسك
على عزت بيجوفيتش:
فأنا أرى نفسي كاتباً ومفكراً ألقى بي القدر في معترك السياسة لأحمي شعبي.
إزاي:
على عزت بيجوفيتش:
1- شوف يا سيدي عندك الكتاب الذي يعد تحفة فلسفية «الإسلام بين الشرق والغرب»
هذا الكتاب ليس كتاباً فقهياً، بل هو مؤلَف فكري ضخم أُناقش فيه التيارات الفكرية الكبرى في العالم (الرأسمالية، المادية، المسيحية، والشيوعية).
الفكرة الأساسية للكتاب : أنا أرى أن العالم ينقسم إلى اتجاهين: المادية (التي تهتم بالجسد والإنتاج وتُهمل الروح)، والروحانية اللامادية (التي تهتم بالروح وتُهمل الواقع). ثم أُثبت أن الإسلام هو «الخط الثالث» أو «الوسطية الكاملة» التي تجمع بين الروح والمادة، والمسجد والمصنع، والدين والدنيا، دون تصادم.
2- الكتاب الثاني والذي كُتب في السبعينيات، وكان السبب الرئيسي وراء اعتقالي ومحاكمتي من قِبل النظام الشيوعي بتهمة «الأصولية» والحكم عليي بالسجن 14 عاماً. كتاب «الإعلان الإسلامي»
الفكرة الأساسية: أخاطب فيه الشعوب المسلمة داعياً إياها إلى تجديد فهمها للإسلام، معتبراً أن الإسلام لا يمكن أن يكون مجرد طقوس عبادية معزولة، بل هو نظام حياة شامل قادر على إحداث نهضة أخلاقية وسياسية واقتصادية إذا ما فُهِم بطريقة واعية وصحيحة.
3- الكتاب الثالث هو عبارة عن المسودات والخواطر والرسائل التي كتبتها سراً في زنزانتي بـ «سجن فوتشا» بين عامي 1983 و1988.
كتاب «الهروب إلى الحرية»
الفكرة الأساسية: يمتزج فيه الأدب بالفلسفة. أتأمل فيه في الموت، الحياة، الفن، الأدب العالمي (أُحلل فيه شخصيات مثل ديسكارت، وشكسبير، وتولستوي). الكتاب يعكس كيف يمكن للجسد أن يكون سجيناً بينما تحلق الروح في فضاءات الحرية المطلقة.
4-الكتاب الرابع «سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها»
هذا الكتاب أوثق فيه مسيرتي الحياتية، منذ طفولتي، مروراً بسنوات السجن، ووصولاً إلى قيادة البلاد في أحلك ظروف الحرب والعبور بها نحو الاستقلال.
إزاي:
ممكن تقولي كيف ترى الوجود و ما هي فلسفتك في الحياة
على عزت بيجوفيتش:
أنا أرى أن الإنسان ليس مجرد «حيوان متطور» (كما تقرر المادية)، وليس ملاكاً طاهراً. الإنسان هو نفخة من روح الله في طين الأرض. لذلك، فلسفتي تقوم على احترام إنسانية الإنسان وحريته؛ فالإنسان لا يسعد بالخبز وحده (الرفاهية المادية)، بل يحتاج إلى المعنى والحرية والقيم الأخلاقية ليتوازن.
لقد أصبت كبد الحقيقة أنا بالفعل لم أرى نفسي سياسيا بالصدفة بل اعتبر السياسة واجباً ثقيلاً فُرِضت علي لحماية شعبي، بينما كانت روحي الحقيقية تحلق في عالم الفكر، الفلسفة، والأدب.
ممكن سعادتكم تحدثنا عن أبرز كتبك ومؤلفاتك التي لم تكن سرد تاريخي بل كانت أطروحات فلسفية أدبية و تُفكك أزمة الإنسان المعاصر
إزاي:
علمت أن سعادتكم لك فلسفة تخالف مقولة (الغاية تبرر الوسيلة)
على عزت بيجوفيتش:
نعم أنا لا أوأيد الفلسفة السياسية السائدة التي تقوم على مبدأ ميكافيلي: مقولة ‘الغاية تبرر الوسيلة’ هي أكبر كذبة شرّعها البشر لشرورهم. في فلسفتي، *الوسيلة القذرة تلوث الغاية الشريفة وتهدمها من الداخل*. لا يمكن أن تبني بيتاً طاهراً بلبنات من الطين النجس.
> عندما كنتُ في قلب الحرب، وكان أعداؤنا يهدمون بيوتنا ويقتلون أطفالنا، جاءني من يقول: ‘لن عاملهم بمثل عملهم.. الغاية هي النصر!’، فقلت لهم قولتي التي سطرها التاريخ: *’إنهم يريدون منا أن نكون مثلهم لكي ينتصروا.. فإذا فعلنا فعلهم وفقدنا أخلاقنا، فسنتساوى معهم في الهزيمة النفسية، حتى لو انتصرنا في المعركة’*!
> روشتتي لكل من يسعى للنجاح اليوم: **الغاية والوسيلة شيء واحد؛ الوسيلة هي الغاية في طور التكوين.**
إذا نجحت بالغش، فنجاحك مزيف. وإذا صعدت بالخيانة، فسقوطك حتمي.
> العالم ليس متوحشاً لأن الأشرار أقوياء، بل لأن الأخيار يظنون أن عليهم استخدام أدوات الأشرار لينجحوا. ثق بـأن **النجاح الأخلاقي قد يكون أبطأ، لكنه الوحيد الذي يملك جذوراً في الأرض ولا تنسفه الرياح.
"مرحباً بك في محراب الفكر على موقعنا. القائد العظيم ورئيس جمهورية البوسنة والهرسك الأسبق، الأديب والفيلسوف الذي حاورناه وراء حدود الزمن هو: الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش."
(دليلك العملي للنجاح)
(المراجع والكتب)
الكتب التي استوحيت منها الحلقة:
كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب": لفهم فلسفته في التوازن بين الروح والمادة.
كتاب "الهروب إلى الحرية" (ملاحظات في السجن): لمعرفة كيف قهر أسوار الزنزانة بالكتابة.
كتاب "سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها": لمراجعة مذكراته السياسية والشخصية.
"والآن حان دورك لتبهرنا! هل تمكنت من تخمين هوية الرئيس الفيلسوف قبل نهاية الحلقة؟ وما هي أكثر 'روشتة' من نصائحه شعرت أنها تلمس واقعك الحالي وتحتاجها في معركتك الخاصة؟ شاركنا رأيك في التعليقات بالأسفل، ولا تنسَ الاشتراك في القائمة البريدية للموقع لتصلك الروشتات القادمة أولاً بأول."
بقلم: [هشام اسماعيل]
خريج فنون جميلة الزمالك، مصمم ومخرج ومؤلف كتاب "تغريدات ملهمة" و"أين المطب". متخصص في فنون الكتاب والرسوم المتحركة.
اقرأ المزيد عني..



تعليقات
إرسال تعليق