آخر الأخبار

القائمة الرئيسية

الصفحات

📢 خبر سار: يسعدنا انضمام الباحث التاريخي والأكاديمي الأستاذ/ عماد أبو العلا لأسرة موقع إزاي. انتظرونا في رحلة أسبوعية شيقة داخل قسم "صورة وحكاية"!
🎧 أرح عينيك! اقرأ أو استمع لمقالاتنا الآن.. الخيار لك.

ولادة تاكو أل باستور من رحم الشاورما العربية

 تلاقح الحضارات فوق موائد المغتربين قصة 
ولادة تاكو أل باستور من رحم الشاورما العربية
إن إطلاق اسم أل باستور على هذا الطبق الأيقوني والذي يعني باللغة الإسبانية على طريقة الراعي جاء بمثابة تكريم

تُعلمنا حركة التاريخ أن الحدود السياسية التي ترسمها الصراعات غالبا ما تذوب أمام سحر الامتزاج الثقافي الذي تصنعه هجرات الشعوب وحنينها إلى أوطانها ولعل المطبخ العالمي لم يشهد فصلا أكثر شاعرية وعمقاً من ذلك اللقاء الفريد الذي جمع بين عبق الشرق الأوسط وحيوية أمريكا اللاتينية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي عندما ركب آلاف المهاجرين اللبنانيين البحر هرباً من الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت ببلاد الشام عقب سقوط الدولة العثمانية حاملين معهم في حقائب غربتهم لغتهم وذكرياتهم وأشواق مطبخهم الممتد في عمق التاريخ ليجدوا في ولاية بويبلا المكسيكية مستقراً وملاذاً آمناً يعيدون فيه صياغة هويتهم من جديد من خلال تذوق طعامهم الأصيل فكانت المحاولة الأولى لبعث الشاورما التقليدية في الأرض الجديدة عبر ما عُرف آنذاك باسم تاكو العرب وهو الطبق الذي اعتمد على لحم الضأن المتبل ببهارات شرقية مشوي على سيخ عمودي وملفوف بخبز البيتا الشبيه بخبز الطابون العربي لتكون تلك الخطوة بمثابة الحجر الأساس لثورة الطهي القادمة

ومع تعاقب العقود وتحديداً في ستينيات القرن العشرين بدأت عملية المكسكة السحرية لهذا الطبق حيث تدخلت البيئة المحلية والصدفة الشاعرية لتغيير مجرى الحكاية بالكامل نظراً لكون لحم الغنم باهظ الثمن وغير متوفر بكثرة في الأسواق المكسيكية مقارنة بلحم الخنزير مما دفع الطهاة إلى استبداله بقطع اللحم الرفيعة المتاحة بكثرة لتحدث هنا النقلة النوعية الأولى ثم تلتها ثورة التوابل التي غيبت الهيل والقرفة لتفسح المجال أمام عبقرية المكونات المكسيكية باستعمال معجون الأكيوتي المستخلص من بذور نبات استوائي يمنح اللحم لونه الأحمر القاني المميز بعد نقعه في عصير البرتقال وحمض الخل مع فلفل الشيبوتلي والكمون والثوم ولم يتوقف الإبداع عند هذا الحد بل تم تتويج هذا الاندماج بوضع قطعة من الأناناس الطازج أعلى السيخ العمودي لتتساقط عصارتها الحمضية الحلوة فوق اللحم أثناء شوائه وتمنحه طراوة ومذاقاً استثنائياً يجمع بين الملوحة والحلاوة والحموضة في تناغم مبهر يجسد روح المكسيك المعاصرة

إن إطلاق اسم أل باستور على هذا الطبق الأيقوني والذي يعني باللغة الإسبانية على طريقة الراعي جاء بمثابة تكريم وفيّ لروح وأصل الطبق المعتمد تاريخياً على رعي الأغنام في تلال الشرق الأوسط ليصبح تاكو أل باستور اليوم واحداً من النجوم اللامعة في سماء الأكلات الشعبية العالمية والشاهد الحي على أن الأطباق العظيمة لا تنتمي لبقعة جغرافية واحدة بل هي كائنات حية تتطور وتهاجر وتكتسي بحلل الثقافات التي تحتضنها لتثبت للبشرية جمعاء أن لقاء الثقافات وتمازجها قادر على صنع لوحات فنية مذهلة تُؤكل بشغف وتُروى تفاصيلها عبر الأجيال كقصة حب خالدة كتبت فصولها بين بيروت ومكسيكو سيتي وعمّت طيوبها أرجاء العالم

إعداد  / ناريمان منصور

بقلم: [هشام اسماعيل]

خريج فنون جميلة الزمالك، مصمم ومخرج ومؤلف كتاب "تغريدات ملهمة" و"أين المطب". متخصص في فنون الكتاب والرسوم المتحركة.

اقرأ المزيد عني..
أنت الان في اول موضوع

تعليقات

هذا المقال نُشر أولاً عبر موقع إزاي (ezayy.com) - . جميع الحقوق محفوظة. لقراءة المزيد من قصص النجاح وتحميل كتاب "تغريدات ملهمة" مجاناً، تفضل بزيارة موقعنا